محمد محمد أبو موسى
240
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
السورة التي أعجزت العرب « وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ » كما تقول : هذا حاتم واللّه ، تريد : هذا هو المشهور بالسخاء ، واللّه أعلم » « 11 » . وبحث النظم هنا هو توضيح المدلول بتقدير المحذوف وتحديد مواقع الجمل في نظام الكلام إذ أن جملة القسم قبل جوابها لا يظهر ارتباطها بقوله تعالى : « بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا » كما لا يظهر ارتباطها بقوله « ص » والذهن عند ذكر القسم ينتظر الجواب ويتوقف متطلبا له ويعجز عن أن يتمثل للكلام المذكور معنى مستقيما واضحا يستشف منه الخيط الممتد الذي ينتظم هذه الجمل كما يوحى بذلك تساؤل الزمخشري . ومثل هذا النظم الذي يحتاج إلى شئ من الايضاح حتى يستقيم المعنى في أذهان غير المتخصصين أو في أذهان غير ذوى الفهم النافذ للأساليب الأدبية قوله تعالى : « بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ » « 12 » . يقول الزمخشري : فان قلت : قد جعل مجىء الحق والرسول غاية التمتيع ثم أردفه قوله : « وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ » « 13 » فما طريقة هذا النظم ومؤداه ؟ قلت : المراد بالتمتيع ما هو سبب له وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته فقال : بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم الحق ورسول مبين ، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبيه ، ثم ابتدأ قصتهم عند مجىء الحق فقال : « ولما جاءهم الحق جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها » « 14 » وبيان طريقة النظم هنا تعنى استقامة المعنى وتوضيح المفهوم من الكلام وربط بعضه ببعض بطريقة بالغة في الفهم والذكاء ، والوسيلة هي التحليل لمحتويات الكلام والكشف عن العلاقات والروابط ، وليست الوسيلة هنا هي الاعراب وبيان موقع الجمل بعضها من بعض من حيث التسبيب والاستئناف أو الاعتراض .
--> ( 11 ) الكشاف ج 3 ص 53 ( 12 ) الزخرف : 29 ، 30 ( 13 ) الزخرف : 30 ( 14 ) الكشاف ج 4 ص 195